فخر الدين الرازي

458

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

شَيْئاً فَرِيًّا ويدل عليه قراءة أبي يفرحون بما فعلوا . البحث الثاني : قرئ آتوا بمعنى أعطوا ، وعن علي رضي اللّه عنه بِما أُوتُوا . المسألة الرابعة : قوله : بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ أي بمنجاة منه ، من قولهم : فاز فلان إذا نجا ، وقال الفراء : أي ببعد من العذاب ، لأن الفوز معناه التباعد من المكروه ، وذكر ذلك في قوله : فَقَدْ فازَ ثم حقق ذلك بقوله : وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ولا شبهة أن الآية واردة في الكفار والمنافقين الذين أمر اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم بالصبر على أذاهم . ثم قال : وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي لهم عذاب أليم ممن له ملك السماوات والأرض ، فكيف يرجو النجاة من كان معذبه هذا القادر الغالب . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 190 ] إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 190 ) اعلم أن المقصود من هذا الكتاب الكريم جذب القلوب والأرواح عن الاشتغال بالخلق إلى الاستغراق في معرفة الحق ، فلما طال الكلام في تقرير الاحكام والجواب عن شبهات المبطلين عاد إلى إنارة القلوب بذكر ما يدل على التوحيد والإلهية والكبرياء والجلال ، فذكر هذه الآية . قال ابن عمر : قلت لعائشة : أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فبكت وأطالت ثم قالت : كل أمره عجب ، أتاني في ليلتي فدخل في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي ، / ثم قال لي : يا عائشة هل لك أن تأذني لي الليلة في عبادة ربي ، فقلت : يا رسول اللّه إني لأحب قربك وأحب مرادك قد أذنت لك . فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء ، ثم قام يصلي ، فقرأ من القرآن وجعل يبكي ، ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض ، فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي ، فقال له : يا رسول اللّه أتبكي وقد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فقال : يا بلال أفلا أكون عبدا شكورا ، ثم قال : ما لي لا أبكي وقد أنزل اللّه في هذه الليلة : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثم قال : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها . وروي : ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأمل فيها . و عن علي رضي اللّه عنه : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان إذا قام من الليل يتسوك ثم ينظر إلى السماء ويقول : إن في خلق السماوات والأرض . وحكي أن الرجل من بني إسرائيل كان إذا عبد اللّه ثلاثين سنة أظلته سحابة فعبدها فتى من فتيانهم فما أظلته السحابة ، فقالت له أمه : لعل فرطة صدرت منك في مدتك ، قال : ما أذكر ، قالت : لعلك نظرت مرة إلى السماء ولم تعتبر قال نعم ، قالت : فما أتيت إلا من ذلك . واعلم أنه تعالى ذكر هذه الآية في سورة البقرة ، وذكرها هنا أيضا ، وختم هذه الآية في سورة البقرة بقوله : لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ البقرة : 164 ] وختمها هاهنا بقوله : لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ وذكر في سورة البقرة مع هذه الدلائل الثلاثة خمسة أنواع أخرى ، حتى كان المجموع ثمانية أنواع من الدلائل ، وهاهنا اكتفى بذكر هذه الأنواع الثلاثة : وهي السماوات والأرض ، والليل والنهار ، فهذه أسئلة ثلاثة : السؤال الأول : ما الفائدة في إعادة الآية الواحدة باللفظ الواحد في سورتين ؟ والسؤال الثاني : لم اكتفى هاهنا بإعادة ثلاثة أنواع من الدلائل وحذف الخمسة الباقية ؟ والسؤال الثالث : لم قال هناك : لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ البقرة : 164 ] وقال هاهنا : لِأُولِي الْأَلْبابِ . فأقول واللّه أعلم بأسرار كتابه : إن سويداء البصيرة تجري مجرى سواد البصر فكما أن سواد البصر لا يقدر